صديق الحسيني القنوجي البخاري

81

فتح البيان في مقاصد القرآن

وسوى ، كقوله : لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى [ الدخان : 56 ] أي دونه الموتة الأولى ، وقال الحسن بن الفضل : إن المعنى إلا من عبد رب العالمين ، ثم وصف رب العالمين بقوله : الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ أي يرشدني إلى مصالح الدين والدنيا ، وطريق النجاة ، وقد وصف الخليل ربه بما يستحق العبادة لأجله ، فإنه الخلق والهداية والرزق الذي يدل عليه قوله : وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ودفع المرض وجلب نفع الشفاء ، والإماتة والإحياء والمغفرة للذنب ، كلها نعم يجب على المنعم عليه ببعضها فضلا عن كلها ، أن يشكر المنعم بجميع أنواع الشكر التي أعلاها وأولاها العبادة ، ودخول هذه الضمائر في صدور هذه الجمل للدلالة على أنه الفاعل لذلك دون غيره ، وأسند المرض إلى نفسه دون غيره من هذه من هذه الأفعال المذكورة رعاية واستعمالا للأدب مع الرب كما قال الخضر . فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها [ الكهف : 79 ] . وقال : فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما [ الكهف : 82 ] وإلا فالمرض والشفاء من اللّه سبحانه . [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 81 إلى 91 ] وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ ( 81 ) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ( 82 ) رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ( 83 ) وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ ( 84 ) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ ( 85 ) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ ( 86 ) وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ ( 87 ) يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ ( 88 ) إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ( 89 ) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ ( 90 ) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ ( 91 ) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ المراد بالإحياء البعث ، ولهذا عطف هنا بثم خلاف ما قبله لاتساع الأمر بين الإماتة والإحياء ، لأن المراد به الإحياء في الآخرة . وحذف الياء من هذه الأفعال لكونها رؤوس الآي . وقرىء كلها بإثبات الياء ، وإنما قال عليه السلام . وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي هضما لنفسه ، وتعليما للأمة أن يجتنبوا المعاصي ويكونوا على حذر . وطلب أن يغفر لهم ما يفرط منهم ، وتكرير الموصول في المواضع الثلاثة المعطوفة للإيذان بأن كل واحد من تلك الصلات نعت جليل مستقل في إيجاب الحكم . قيل : إن الطمع هنا بمعنى اليقين في حقه ، وبمعنى الرجاء في حق سواه . وقرىء ( خطاياي ) لأنها ليست خطيئة واحدة . قال النحاس خطيئة بمعنى خطايا في كلام العرب ، قال مجاهد يعني بخطيئته قوله : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا [ الأنبياء : 63 ] ، وقوله : إِنِّي سَقِيمٌ [ الصافات : 89 ] ، وقوله إن سارة أخته زاد الحسن وقوله للكوكب : هذا ربي . وحكى الواحدي عن المفسرين أنهم فسروا الخطايا بما فسر بها مجاهد .